عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
166
اللباب في علوم الكتاب
حسابهم » هو الخبر ، و « عليك » هو الحال غير واضح ؛ لأن محطّ الفائدة إنما هو « عليك » . قوله : وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ كالذي قبله ، إلّا أنّ هنا يمتنع بعض ما كان جائزا هناك ، وذلك أن قوله : « مِنْ حِسابِكَ » لا يجوز أن ينتصب على الحال ؛ لأنه يلزم تقدّمه على عامله المعنوي ، وهو ممتنع ، أو ضعيف لا سيّما وقد تقدّمت هنا على العامل فيها ، وعلى صاحبها ، وقد تقدّم أنّ الحال إذا كانت ظرفا أو حرف جرّ كان تقديمها على العامل [ المعنوي ] « 1 » أحسن منه إذا لم يكن كذلك ، فحينئذ لك أن تجعل قوله : « مِنْ حِسابِكَ » بيانا لا حالا ، ولا خبرا حتى تخرج من هذا المحذور ، وكون « من » هذه تبعيضيّة غير ظاهر ، وقد تقدّم خطابه - عليه الصّلاة والسلام - في الجملتين تشريفا له ، ولو جاءت الجملة الثّانية على نمط الأولى لكان التركيب « وما عليهم من حسابك من شيء » فتقدّم المجرور ب « على » كما قدّمه في الأولى ، لكنه عدل عن ذلك لما تقدّم . وفي هاتين الجملتين ما يسميه أهل البديع : ردّ الأعجاز على الصدور « 2 » ، كقولهم : « عادات السّادات سادات العادات » ومثله في المعنى قول الشاعر : [ الطويل ] 2180 - وليس الّذي حلّلته بمحلّل * وليس الّذي حرّمته بمحرّم « 3 » وقال الزمخشري « 4 » - بعد كلام قدّمه في معنى التفسير - : فإن قلت : أما كفى قوله : « ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ » حتّى ضمّ إليه : وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قلت : قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة ، وقصد بها مؤدّى واحد ، وهو المعنى بقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] . ولا يستقل بهذا المعنى إلّا الجملتان جميعا ، كأنه قيل : « لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه » قال أبو حيّان « 5 » : « لا تؤاخذ أنت . . . إلى آخره تركيب غير عربي ، لا يجوز عود الضمير هنا غائبا ولا مخاطبا ؛ لأنه إن [ عاد ] « 6 » غائبا فلم يتقدّم له اسم مفرد
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) وهو في النّثر أن يجعل أحد اللّفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أوّل الفقرة ، والآخر في آخرها ؛ كقوله تعالى : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ، وقولهم : ( الحيلة ترك الحيلة ) . وقال تعالى : قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ . وفي الشّعر : أن يكون أحدهما في عجز البيت ، والآخر في صدر المصراع الأوّل ، أو في حشوه ، أو عجزه ، أو في صدر الثاني . ينظر : التبيان ص 496 ، دقائق البحر 111 ، وحسن التوسل 214 ، والطراز 2 / 392 ، الإيضاح 2 / 390 . ( 3 ) البيت للبحتري ينظر : ديوانه 3 / 2001 ، تحرير التحبير 2 / 266 ، البحر 4 / 141 ، الدر المصون 3 / 70 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 28 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 140 . ( 6 ) سقط في ب .